|
مــــــــعالم |
|
|
لا.. لن نموت! نقول الحق.. ولو أهلكنا! |
|
|
إن من لم يعرف "خدام المهدي عليه السلام" حق المعرفة؛ ومن لم يستوعب غاياتهم الحقيقية؛ يمكن أن ينتابه الظن بأنهم معرّضون للانهيار أو الاندثار إذا ما نزلت بهم اللأواء أو اشتدت بهم الشدائد أو تكالبت عليهم وحوش فلوات النصب والنفاق! وإن من عرف واستوعب، وتلمّس جوهر روح الخدام، وأدرك مقاصدهم وإلى أين يسيرون، لا يقع في قلبه الشك بأنهم سيبقوْن أجيالا تلو الأجيال إلى يوم يظهر فيه إمامهم وصاحبهم (صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه) ليسلّموه رايتهم سجّدا! مخطئ تمام الخطأ من يتصوّر أن الخدام يمكن أن يتراجعوا لمجرّد أن ضربة أو ضربات قد انهالت عليهم، حتى وإن بلغت قساوتها مبلغا تأبى الجبال حمله! ذلك لأن الأيادي قد تُوثَّق؛ والنفوس قد تُزهق؛ والدماء قد تُراق؛ بيد أن الرسالة تبقى.. لا أحد - مهما كانت قدرته - يتمكن من توثيقها بقيود السجون، أو إزهاقها على مقصلة الإعدام، أو إراقتها حتى تنضب! الرسالة إذا كانت رسالة الحق؛ تبقى الحياة تدبّ في شرايينها وعروقها ما دامت حياة بني البشر باقية مستمرة، ليس لأحد أن يوقف مسيرتها أو أن يستأصل جذورها. فإذا كانت رسالة الثأر للمظلومين من آل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) فإن أحدا لن يتمكن من إخماد جذوتها مهما قال وفعل، أو حاك وتآمر، أو صوّب ورمى! عندما بدأ الخدّام المسير وخطوا أولى الخطوات؛ كانوا يتوقّعون أن تتزايد عليهم المحاربات، فلم يكن ذلك غائبا عنهم. وكلما كانت الضربات تتوالى عليهم كانت عزائمهم تشتد وتتصلّب. وفي كل مرحلة من المراحل الصعاب التي انتابتهم قال مناوئوهم: "هذه نهايتهم"! فلما تجاوزوها وجاءهم من المكاره ما هو أصعب قيل: "ليس لهم من مناص.. الآن انكسروا"! فلما انجبر حالهم ووقع عليهم من المصائب ما هو أعظم مراسا قيل: "هذه القاصمة.. ستقصم ظهورهم"! فلما رأوا أنهم مازالوا باقين ولا فناء لهم؛ سعوا بأعظم السعي وكادوا بأعظم الكيد حتى استعْدوا أطرافا عليا عليهم، فظنت تلك الأطراف أن الخدام عازمون على ثورة أو انقلاب أو نحو ذلك! وغاب عنها أنهم لا دخل لهم بالسياسة ولا شأن لهم بشيء سوى إقامة الحجة على من لم يعرف حق آل محمد صلوات الله عليهم. ولم تفطن تلك الأطراف إلى أن هؤلاء المناوئين النواصب هم ألدّ الأعداء لها! وهم من يحيكون المؤامرات بليل ضدّها! وهم من ينسجون خيوط الإرهاب حولها! فكان ما كان مما تحمّل الخدّام مرارته وتجرّعوا غصصه.. وتوهّم المناوئون أنها الضربة القاضية هذه المرة، وأن قطع الرأس كفيل بضمور سائر الأعضاء! وإذا بهم يجدون الخدّام لا رأس لهم يُقطع! ولا أعضاء لهم تُضمر! فكلما قُطع لهم رأس نبت آخر! وكلما ضُمر لهم عضو أورق بديل! وهم اليوم على ما كانوا عليه من العهد، لم يتزحزحوا عن مواقفهم، ولم يتنحوا عن مسيرتهم، مستمرون بنشاطهم وعطائهم غير آبهين بكل ما يجري حولهم فهم على غير اكتراث بشيء سوى نيل رضى إمامهم! تلك هي الرسالة التي لا تموت ولا يموت حمَلَتها حتى وإن أُفنوا تماما في لحظة من زمن، فسيخرج في تاليها من يتلقّى الراية ويواصل ما بدأه الأوائل. وإن لهذه الراية إماما يحميها كما أن للبيت ربا يحميه! فلا يغرّن المناوئين شيء مما وقع، فنحن هنا.. ولن نموت! على أنهم لو كانوا على رجاحة من العقل - إذ لا عقل لهم - لعلموا بأن فعلتهم الأخيرة كانت لنا لا علينا! وأنهم بها أسدوا لنا خدمة كانت تنقصنا وأسنحوا لنا فرصة كنا ننتظرها! فأي خدمة أعظم من إيصال صوتنا - بما فيه من حقائق - إلى كل بيت؟! وأي فرصة أروع من تسليطهم الأضواء علينا حتى اشتهر أمرنا عند القاصي والداني؟! بل وأي سوءة لهم قد أبانوها عندما أظهروا للكافة عجزهم عن مقارعة الحجج والبراهين إلا بالسباب والشتائم والتسقيط والتحريض على صفحات الصحف وخطب المنابر؟! بل وأي عار قد ألصقوه بأنفسهم حينما تجلّى للعامة مقدار وهن عقيدتهم وهشاشتها حتى قيل: "أي دين زائف وأي مذهب متآكل هذا الذي يهتز كل هذا الاهتزاز العنيف من مجرد كلمات قيلت في بضع جلسات"؟!! أما نحن فماضون بإذن الله تعالى على ما عاهدناه عليه، مسترشدين بآثار أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، الذين علمونا كيف نمتلك الجرأة على قول الحق الذي لا يتجرّأ المعظم من الناس على قوله. الحق الذي يستنكف بعضهم من التصريح به خوفا على نفسه ومصالحه. الحق الذي لم يجد في هذا الزمان من ينهض به كما ينبغي. الحق الذي هو ولاية علي والبراءة من أعداء علي.. فعلي مع الحق والحق مع علي.. وفي هذا الشأن يتوجّب إيضاح ثلاثة أمور مهمة على سبيل الإشارة: أولها؛ أن الإصرار على سلوك هذا المنهج ليس وليد عناد أو نزعة سادية، بل هو نتاج إحساس بالمسؤولية الشرعية وشعور بغياب الجهد المنظم الهادف إلى توعية الأمة وانتشالها من ظلمات الانحراف العقائدي المطبق عليها، فمعظم ما يستحصل اليوم من جهد لا يقع في هذا الهدف بشكل مباشر ومؤثر، وإنما يدور مدار السائد من التبليغ الديني المتقوقع في إطار الذات والمنحصر في نطاق الأخلاقيات والتربويات وما أشبه، وذلك أمر مهم لا ننكره لكننا لا نراه يحلّ على رأس الأولويات، فالأمة بحاجة لأن تعرف قبل كل شيء أنها على ضلال صنعه لها الحكام والخلفاء الأوائل، وبحاجة لأن تعرف قبل كل شيء أنها لن تسعد في الداريْن إلا بولاية أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) المقتضية للبراءة من قَتَلَتهم وأعدائهم (عليهم اللعنة) وبغير هذا الأساس لن يكون هنالك بناء صحيح، بل بناء متضعضع هشّ سينهار.. وقد انهار! ولا أدل على ذلك من هذا الوضع المزري الذي تعيشه الأمة بسبب الابتعاد عن خط وتعاليم أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. وثانيها؛ أن هذا المنهج الذي نسير بموجبه ليس بشاذ عن سيرة شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كما يروّجه بعض القاصرين تشبثا بما لم يفهموه من أحكام وإرضاء لأهل الخلاف، بل هو في واقع الحال اقتفاء لتلك الخطوات التي خطاها الأوائل من الشيعة الأبرار الذين لولاهم ولولا تضحياتهم وجرأتهم في طرح الحق لما وصل إلينا ولما عرفنا حق أهل البيت اللازم علينا. وإن من سيرة الشيعة الأبرار قول الحق لا كتمانه، وإعلاء راية الولاية لا تنكيسها، وهذا هو الأصل ومن يقول بخلاف ذلك يكون إما قاصرا أو مقصّرا، فهذا إمامنا الكاظم (صلوات الله وسلامه عليه) يقول وهو السجين الذي ذاق مرارة السجن والاضطهاد: " قل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك". (الاختصاص ص32 وتحف العقول ص408). والإمام المعصوم أعلم من غيره بالتكليف، وعلماؤنا العظام أفهم من غيرهم بالأحكام، فلا مجال للقاصرين لإطلاق ألسنتهم على ما لا يفقهون! وثالثها؛ أن هذا المنهج ليس استعداء لطوائف أهل الخلاف، فنحن نريد لهم الخير ولا نريد لهم شرا. غير أننا نعلم في الوقت نفسه أن هذا المنهج لما فيه من الصراحة والصدق في قول الحق سيواجه امتعاضا من هؤلاء في بادئ الأمر، ولا بد من استيعاب ذلك وتقبّله فإنه من الضرورات المتلازمة منطقيا، إذ يصعب على الإنسان أن يرى نفسه فجأة على ضلال وأن يصطدم بأقدس مقدّساته. لكن هذا الوضع لن يدوم، فهو مجرّد مسألة وقت، فبعد هدوء الثائرة العصبية يأتي دور العقل والتفكّر، وعندها يتحقق الهدف. ولنا على ذلك شواهد لسنا بصدد التطرق لها، فالمهم الآن هو إيصال الحقائق - على مرارتها - بأي شكل كان إلى الطرف المقابل، لأننا لا نضمن أن نعيش في عصر يتيح لنا فرصا أكثر مما يتيحه هذا العصر لنا. وليتدبّر أولو الألباب، فإن هي إلا سويعات ويكون الموت على الباب! وليس أمامنا خلال هذه السويعات إلا واحدة من طريقين: إما أن نهمل استثمارها في إيصال الحق وإبلاغه إلى الناس فيكون موتنا موتا حقيقيا ماديا ومعنويا نرى أنفسنا بعده واقعين في مأزق رهيب لا يمكن الخروج منه! وإما أن نستغل هذه الفرصة ونستثمر هذه السويعات القليلة التي سنعيشها لنجعل موتنا حياة من نوع آخر.. كما جعل أبو ذر (رضوان الله عليه) موته حياة حقيقية بشجاعته وجرأته وتصدّيه للمنحرفين والظالمين انتصارا لآل محمد الطاهرين عليهم صلوات الله والمصلّين. نريد أن نكون مثل هذا الرجل العملاق، حتى لا نموت، وحتى نلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على العهد، فإنه - أرواحنا فـداه - قال لأبي ذر عليــه الـرحمـة: " يا أبا ذر.. قل الحق وإن كان مرا؛ تلقني على العهد". (الخرائج والجرائح ج2 ص490 والبحار ج22 ص434).
هكذا نحن.. وهكذا سنظل.. وبهذا لن نموت! |
|