<<

مــــــــعالم

انتظرونا بعد سنوات.. عندما تنبت النويّات!

 

من بين كل تلك الشعوب التي كانت تعيش آنئذ على سطح الكرة الأرضية؛ وبعد ألف سنة إلا خمسين عاما من الجهد التبليغي المتواصل والدعوة إلى سبيل الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لم يلبِّ نداء نبي الله نوح (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) سوى ثمانية أشخاص من شرق الأرض إلى غربها! نعم ثمانية أشخاص فقط كانوا هم الذين آمنوا بما أنزله الله تعالى عليه فاتبعوه والتزموه، أما سائر الناس فقد ظلّوا على كفرهم وإلحادهم وضلالهم.

 

لم يكن نوح بالإنسان العادي، بل لم يكن كغيره من عامة الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) بل كان متفوقا عليهم، فهو من أولي العزم الذين حازت أنفسهم على كمالات سامية جعلتهم في مرتبة أعلى من مراتب سائر الأنبياء. ونوح (عليه الصلاة والسلام) هو أول هؤلاء مجيئا، وهو صاحب تلك المنزلة الرفيعة والمقوّمات الهائلة والإمكانات العظيمة والطاقات الجبارة التي وظّفها كلها من أجل هداية بني البشر حينئذ، مستخدما لتحقيق ذلك كل وسائل الترغيب وفنون الاستقطاب والجذب والإقناع، وعلى مدى ألف سنة إلا خمسين عاما لم يكلَّ فيها أو يمل أو يتراجع عن هدفه المقدّس. ورغم كل هذا العناء والكدّ المتواصل، لم تكن النتيجة إلا أن ازداد الناس كفرا وعتوا وظلما، حتى أن الرجل منهم كان يأخذ ابنه الصغير معه ليمرّان بنوح فيقول له وهو يشير إليه: "يا بنيّ.. إن بقيتَ بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون"!

هكذا قابل أولئك الجهلة إحسان نبيّهم إليهم بالإساءة، فما ادّخروا جهدا لمحاربته والتضييق عليه، حتى كُسر قلب هذا النبي العظيم فأخذ بالبكاء والنواح ولهذا أسماه رب السماء بنوح بعدما كان اسمه عبد الأعلى. ولمّا لم يجد فائدة تُرجى من قومه الذين كذّبوه واتهموه بالجنون؛ وبعدما استنفذ كل الوسائل الممكنة أملا في هدايتهم؛ وبعدما انقضت كل تلك القرون الطويلة التي صرفها ليلا ونهارا في محاولات إصلاحهم؛ اتخذ قراره وعزم على أمره النهائي.

 

خرج نوح (عليه السلام) ذات صباح من مسكنه، آخذا معه بضع نويّات من التمر بيده، ومشى إلى أن وقف على أرض ميتة خالية، نظر إليها ثم حدّد حدودها، ثم أخذ يحرثها ويزرع تلك النويّات بيده، وبينما هو كذلك إذ مرّ عليه فوج من قومه فرأوه على هذه الحال، فضحكوا واستهزءوا وقالوا: "انظروا إلى هذا النبي المزعوم.. قد قعد غرّاسا"!

 

ظنّ هؤلاء الجهلة الضالون أن نوحا قد سئم وتعب من دعوته وطفق الآن يشتغل بكسب قوت يومه! واعتبروا ذلك منقصة في حقه، فعقولهم القاصرة أوهمتهم أنه لو كان نبيا حقا لكفاه الله أمر المعاش ولما احتاج إلى أن يزرع أو يعمل أو يتكسّب، ولكنهم ما أدركوا أن ذلك - إن صحّ - إنما يكون رفعة لشأن هذا النبي لا نقصا، فسنة الله في كسب الرزق جارية على الأنبياء كما على غيرهم، وإلا لما كانوا أسوة حسنة ومثالا يقتدى به. ومع هذا فإنه كان لنوح (عليه السلام) غرض آخر غير غرض الاسترزاق وقد خفي عن هؤلاء التعساء، فظل نوح (عليه السلام) يباشر تلك الأرض ويسقي ما بذره فيها.

 

ومضت أعوام وأعوام، وإذا بتلك النويّات الصغيرة تغدو أشجار نخيل عملاقة طويلة! وإذا بتلك الأرض التي كانت خلاء من كل شيء تصبح بستانا كبيرا. وخرج نوح من بيته مجددا متجها نحو أرضه، حاملا على عاتقه فؤوسا وأدوات نجارة، وعندما وصل أخذ بكل بجهد جهيد يقطع تلك الأشجار الضخمة، والله يعلم وحده أية مشقّة تحمّلها نوح في هذا العمل ليل نهار، ولم يكن قومه بتاركيه أيضا فقد كانوا يمرّون عليه ويؤذونه ويسخرون منه بالقول: "انظروا إلى هذا النبي المزعوم.. قد قعد نجّارا"!

 

وتوالت السنوات فيما نوح عاكف على عمله المرهق لوحده، فظل ينحت تلك الأخشاب في تلك الأرض ثم يربط بعضها ببعض ويهندسها بطريقة خاصة، واستمر على هذا المنوال مئتي سنة كاملة! حتى إذا انتهت نظر الناس وإذا بسفينة جبّارة عظيمة جاثمة على الأرض! ورغم انبهارهم بصنعه إلا أن قوم نوح استمروا بالاستهزاء فقالوا: "انظروا إلى هذا النبي المزعوم.. قد قعد ملاحا في فلاة من الأرض"!

 

لم تكن الأرض التي زرعها نوح وصنع فيها السفينة قريبة من شاطئ البحر بل بعيدة عنه، وهذا كان مثار إنكار قومه الذين لم يعرفوا الغاية من هذا العمل، فسخروا من رجل صنع سفينة ضخمة على كل هذه المسافة من الشاطئ ولن يقوى أي بشر على حملها للبحر لتبحر. بيد أن نوح (عليه الصلاة والسلام) الذي تحمّل إساءاتهم وأذاياهم وصبر طوال تلك القرون على جحودهم وكفرهم؛ كان يحمل في قرارة نفسه سرّا.

 

عاد إلى منزله، وتهيأ للصلاة، ورفع يده إلى السماء "فدعا ربّه أني مغلوب فانتصر" فاستجاب الله تعالى: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجّرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قُدر، وحملناه على ذات ألواح ودُسُر، تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر". (القمر: 10 - 14). وهكذا كان ما كان من أمر الفيضان والسفينة، الفيضان الذي أباد الكفار، والسفينة التي أنجت المؤمنين الموحّدين.

أيها المؤمنون..

 

هكذا ينبغي على من ينهضون بمهمة الدعوة إلى الله ونصرة أوليائه ونسف أعدائه أن يضعوا في اعتبارهم تجارب المصلحين العظماء من الأئمة والأنبياء، وعليهم أن يتمثّلوا بصفاتهم وسلوكياتهم قدر استطاعتهم ليتحقق لهم ما يصبون إليه. وخدام المهدي (عليه السلام) أصحاب هذه الرسالة التنقوية الفتيّة عليهم أن يكونوا أقرب من غيرهم وعيا وفهما وإدراكا لما ينبغي أن يكون عليه المجاهد في سبيل الله، ولهذا يجب أن يتصفوا بالمواظبة، والإغضاء، والقناعة، والتنبيت، والكدّ، والصبر، والاعتماد على النفس. ومن دون ذلك لا يتحقق لهم ما يريدون ويصبحون كغيرهم من الذين جاءوا واندثروا بعدما سكنت فورة نشاطهم وخمدت شعلة حماسهم. وعلى "الخدّام" أن يلتفتوا إلى أنهم ليسوا في وارد أن يكونوا كغيرهم، فلا أمرهم أمر فورة أو موجة، وإنما أمرهم أمر الطلب بحق آل محمد (صلوات الله عليهم) الذي لن يتحقق إلا بظهور خاتمهم القائم المهدي أرواحنا وأرواح العالمين فداه. ولذا فهم أكثر مسؤولية من عامة من هم غيرهم تجاه الالتزام بتلك السمات والسجايا:

 

• أما المواظبة؛ فإنها مِعْول كل نجاح، فلا يجب أن تهدأ نشاطات الخادم فضلا عن أن تتعطّل يوما حتى وإن طال الأمد وبعُدَ المرام وصَعُبت الأحوال، وهو كذلك، فإن نوحا (عليه السلام) ظل يدعو قومه ما يناهز الألف عام دون أن يقلّ نشاطه أو ينزل مستوى أدائه الدعوي لحظة واحدة، فظل يعمل ويعمل في سبيل ربّه ويجتهد في استغلال كل فرصة ممكنة لتحقيق هداية البشر، وهكذا يجب أن نكون جميعا دون أن يتسلل إلى قلوبنا اليأس أو القنوط.

 

• وأما الإغضاء؛ فمن دونه لا تستقرّ نفس الخادم وتظل مضطربة، واللازم عليه أن يجعل الإغضاء علامة من علامات شخصيته، فلا يلتفت إلى المستهزئين ولا يكترث بما يقولون، كما كان نوح (عليه السلام) مع قومه طوال تلك المئات من السنين، فلا أثّرت استهزاءاتهم المتكررة في عمله ولا حجزته عن مواصلة دربه، فإنما المستهزئون أولي جهل لم يستوعبوا طريق المصلحين، وعلى المصلح أن يترفّع عنهم فهو وأقرانه هم الأعلوْن.

• وأما القناعة؛ فإنها سياج المحافظة على ما تحقق، فلا على الخادم إلا أن يعمل ويؤدي واجبه، ويوكل أمر تحقق النتيجة إلى الله تعالى، فإذا جدّ واجتهد ولم يلاقِ النتيجة المرجوّة ولم يجد من الناس إلا القليل ممن اهتدى وتبصّر فلا يكتئب ولا يحزن بل عليه أن يقنع بما تحقّق، فهذا نبي الله نوح (عليه السلام) مع ما يملكه من مزايا لا تقاس لم يؤمن به سوى ثمانية نفر، ومع هذا فلم يؤثّر ذلك على معنوياته، فبقت عالية، إلا أنه كان يتأثر بعوارض العاطفة وما في ذلك من بأس، وهكذا ينبغي أن يكون الخادم، فلا يهدم ما بناه ظنا أنه لم يأتِ إلا بالقليل، وإنما يحافظ عليه بالقناعة وإنْ تأثّر لصغر حجم النتائج. وفي خاتمة المطاف فإن الخادم أولى بنفسه من غيره، فحتى لو لم يجذب أحدا إلى جنة الإيمان فرضا، فيكفيه أن ينجو بنفسه، كما نجا نوح (عليه السلام) والمؤمنون القلائل معه بأنفسهم. وسفينة "الخدام" عليها أن تحملهم أولا. لكن القناعة بما تحقق لا يجب أن يكون مانعا عن السعي نحو ما هو أكثر تأثيرا في الناس وأكثر أثرا، بل على "الخدام" أن يسعوا دوما إلى استصلاح البشرية ما وسعهم ذلك وبشتى الوسائل والفنون والسبل بروح متجددة تجديدية.

 

• وأما التنبيت؛ فهو زرع وبذر البذور والنويّات كما صنع نوح عليه السلام، فينبغي لحَمَلة رسالة التعجيل بظهور منقذ البشرية (صلوات الله عليه) أن يغرسوا في كل بقعة نواة، وأن يركزوا في كل أرض راية، وأن يؤسسوا في كل مصر خليّة، وأن يجعلوا لهم في كل ناحية امتدادا، ثم عليهم أن يحيطوا تلك النويّات بالرعاية أكثر من غيرها لتنبت وتكبر وتنضج فيظهر لنا في القادم من الأيام جيل كامل يحمل مبادئ "خدام المهدي عليه السلام" ويكون قد تربّى على قيمهم وأخلاقهم واختزن أهدافهم وغاياتهم حتى يصبح ذلك جزءا من شخصيات أبناء ذلك الجيل المرتقب الذي يسأل الخدام المؤسسون ربّهم أن يكون جيل الظهور بحول الله تعالى وقوته. وسيكون هذا الجيل بإذن الله جيلا قويا ضخما مقداما حصينا كأشجار نوح (عليه السلام) الشامخة العظيمة، والتي كان أساسها تلك النويّات الصغيرة، فلا يستصغرنّ "الخدّام" ما يصرفونه اليوم من جلّ طاقاتهم في هذا الشأن، فإنما هي سنوات وتظهر الثمار.

 

• وأما الكدّ؛ فهو أساس البناء الضخم الراسخ، وأوجب ما على الخادم أن يكدّ ويبذل قصارى جهده في عمله المقدّس وأن لا يتوانى عن ذلك ولو للحظة بل يكون فكره مشغولا دائما بالخدمة. وهذا نوح نبي الله (صلوات الله عليه) بذل كل تلك الجهود الجبارة لوحده، فصنع سفينة عملاقة لم يرَ التاريخ لها مثيلا بيده، دون أن يستعين بأحد من الخلق أو الملائكة في ذلك، بل كان بمفرده يتحمّل كل هذا العناء. والخادم يجب أن يكون خبيرا بأن العمل الناجح لا يتحقق إلا بالتعب، ومهما استلزم عملنا من الإرهاق والعناء فإن ذلك زيادة في أجرنا فضلا عن كونه زيادة في الإتقان. ولقد علم "الخدام" اليوم أن أعمالهم ليست كأعمال غيرهم، من حيث كونها صعبة مرهقة متعبة، لما فيها من مسؤوليات وتشعبات إدارية وتنظيمية عدّة، علاوة على ما فيها من محاربات تستنزف الطاقة على الجبهات المفتوحة، إلا أن ذلك كله يهون مقابل أن يتم تسجيل سطر واحد في سجل إمامنا المنتظر (أرواحنا فداه) يثبت أننا عانينا وبذلنا ما نستطيع. فهنيئا لمن يحظى بذلك. والخادم الحق لا يكترث بمن عداه في عمله، فلربما يكون وحده في ميدان ما وتنصب عليه مسؤولية المحافظة على هذه الراية إلى أن يأتي من يعاونه، فلا ينبغي له أن يشعر بالوحدة وهو مع الله، وإمامه معه، بل عليه أن يكون كنوح (عليه السلام) مبتهجا بوحدته في عمله، سعيدا بانفراده إذا ما كان.

 

• وأما الصبر؛ فبه ينزل الله علينا النصر كما أنزله على نوح النبي (عليه السلام) بعدما صبر كل تلك المئتي سنة حتى تنجز السفينة ويتحقق الهدف، فلا يجب أن يستعجل الخادم ويتوقع دائما أن تتحقق نتيجة عمله الساعة، بل عليه أن ينتظر الغد، وما بعد الغد، فلعلّه يؤسس لعمل اليوم ثم لا تكتمل نتائجه إلا بعد مدة طويلة يكون بعدها قد انتقل إلى عالم الماوراء البرزخي. وإنما "خدام المهدي عليه السلام" مسيرة أجيال، وتسلسل حلقات، وترادف مجاميع، فإن انقضى أجل أحدهم حلّ مكانه آخر إلى أن يأذن الله تعالى لوليّه بالظهور.

 

• وأما الاعتماد على النفس؛ فهو مربط الفرس وبه تتفجّر طاقات الخادم الهائلة، فإن نوحا (عليه السلام) لم يعتمد على المعجزة في صنع سفينته العملاقة رغم قدرته على ذلك، وبمعنى آخر فإنه لم يعتمد على أن يتدخّل الله تعالى فيأمر بخلق السفينة جاهزة في طرفة عين، وإنما بناها بنفسه متحمّلا كل المشاق في ذلك طوال تلك السنوات الغابرة. وهكذا ينبغي للخادم أن يكون، فرغم أن عليه أن يكون دائم التوكل على الله (تبارك وتعالى) ودائم الاستمداد من مولاه صاحب العصر (صلوات الله عليه) إلا أنه لا يجب أن يعتمد على وقوع ما هو خلاف للقوانين الطبيعية السائدة، أو أن يتوقّع حدوث تصرّف غيبي في أعماله يكون خلافا للمألوف والمتعارف، فإنما الإمام (صلوات الله عليه) يريدنا أن نعتمد على أنفسنا لنحوز ذلك الأجر الذي لا يُحاز إلا بمثل هذه المشقة، وكما أن نوحا (عليه السلام) قد حاز تلك المرتبة العظيمة عند الله تعالى بتحمّله لتلك المشقة في صنع السفينة دون تدخّل إلهي خاص، فكذلك على "الخدام" أن يضعوا في اعتبارهم أن ولي الزمان (أرواحنا فداه) لا نحظى عنده بتلك المنزلة الرفيعة إلا بالاعتماد على النفس، فعلى الخادم أن يعمل وفق القوانين الطبيعية، وأن يفهم أن الإمام القائم (عجل الله فرجه الشريف) لا يتدخّل إلا إذا رأى الضرورة القصوى في ذلك. وقد تجلى للخدام ذلك بوضوح في ما مرّ عليهم من ظروف قاهرة كادت أن تودي بحياتهم وتقضي على مسيرتهم، إذ بان التدخّل الغيبي بما لم يكن متوقعا إلى هذه الدرجة، فليسجدوا إذن لله حمدا، وليقبّلوا الأرض بين يدي إمامهم شكرا، فقد كان التفضّل من المولى بما لا نستحق ولا نحن له بأهل، إلا أنه (أرواحنا فداه) كان كعادته أهلا للتفضّل والتكرّم والمنّ. فلا يتوقّع الخادم أكثر من هذا لئلا يحبط عمله.

 

وعلى كل خادم أن يعي ضرورة أن يدعو الله دائما أن لا يسلب منه توفيق الخدمة، فإنها نعمة إلهية لا تضاهيها نعمة أخرى. وأما الغايات والأهداف الكبرى فلا بد من الانتظار بضع سنين لتحققها، وما نحن بمستعجلين، والبذور قد بُذرت ولله الحمد في غير مكان، ولن يسع أحد اقتلاعها فإنه لأن ينقلع أقرب! والله المستعان.